الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
488
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
استقصائه فيه بحيث يعلم عدم تغيير رأيه مع تجديد النظر كما يتفق في كثير من المسائل أو عدمه بأن يكون تأسيا للدليل أو يحتمل تجديد رأيه بتجدد النظر فإن كان الإفتاء الثاني عقيب الأول الحاصل عقيب الاجتهاد في المسألة فالظاهر أنه لا مجال للتأمل في عدم توقفه على النظر الجديد إذ المفروض وقوع الإفتاء المذكور عقيب النظر والاجتهاد وإن سبقه الإفتاء الأول إذ لا يعقل مانع من تعاقب فتاوي جديدة لاجتهاد واحد وكذا لو كان مستحضرا للدليل على سبيل التفصيل قاطعا بعدم انقلاب رأيه بالنظر الجديد وكأنه مما لا ينبغي الخلاف فيه ولا يبعد جريان ذلك فيما إذا قطع بعدم انقلاب رأيه بتجديد الاجتهاد ولو لم يكن مستحضرا للدليل وإن عثر على معارض للدليل الذي اعتمد عليه أوله بعض الوجوه الدافعة لاستدلاله ونحو ذلك لظاهر أنه لا تأمل في وجوب تجديد النظر وملاحظة الراجح سيما إذا تراخى إفتاؤه الاجتهاد ولو بالنظر إلى الواقعة الأولى لوجوب بذل الوسع على المجتهد وعدم عثوره أولا على المدعى إنما يصح حكمه في تلك الحال دون الحالة الثانية فلا يصح له الحكم قبل إمعان النظر فيه ثانيا وقد نبه عليه بعض الأفاضل وكأنه مما لا خلاف فيه أيضا وإن تراخى إفتاؤه عن النظر الأول من غير أن يعرض له ما يعارض دليله على المسألة واحتمل عدوله عن الحكم بعد تجديد النظر ففي وجوبه حينئذ للواقعة الثانية لوجوه المذكورة أجودها القول بعدم الوجوب ويدل عليه بعد الاستصحاب بالتقريب المذكور المعتضد بالشهرة كما نص عليه بعضهم أنه لا كلام ظاهرا في جواز جريان المقلد على تقليد المجتهد ما لم يعلم رجوعه من الحكم وهو لا يتم إلا مع حجية ظنه بالنسبة إلى الوقائع المتأخرة من غير اختصاص لها بالواقعة الأولى والأزمنة المقاربة لزمان اجتهاده إذ لو كان طول المدة باعثا على عدم اعتماد المجتهد على ظنه الأول ولزمه تجديد النظر والاجتهاد ثانيا للواقعة المتأخرة كان عدم اعتماد المقلد على فتواه أولى لظهور كون رجوعه إلى ظن المجتهد فرع حجية قول المجتهد فلو لم يجز له البناء على ظنه السابق ولم يكن ذلك الظن حجة في شأنه فوجب عليه تجديد النظر لم يجز لمقلده البناء على فتواه السابق ووجب عليه الرجوع ثانيا لاستعلام ما يؤدي إليه نظره الثاني ولم نقف إلى الآن على من أوجب عليه ذلك وقال بعدم معنى الاجتهاد الأول في شأنه بعد طول المدة بالنسبة إلى الوقائع المتأخرة بل ظاهر كلامهم الإطباق على جواز الجري على ذلك إلى أن يعلم رجوع المجتهد عنه نعم فرق بعض العامة في المقام فرجح وجوب تجديد السؤال عند تجدد الواقعة إذا علم استناد المجيب إلى الرأي والقياس أو شك فيه وكان المقلد حيا وقطع بعدم الوجوب في غيره وهو وجه ضعيف مبني على أصولهم وأيضا الظاهر إطباقهم على جواز حكاية المقلد فتاوي المجتهد لسائر المقلدين وجواز أخذهم بذلك مع وثاقة الواسطة ولو بعد طول المدة ولا يتم ذلك إلا مع حجية ظنه بالنسبة إلى الوقائع المتأخرة ويؤيده ما مر من لزوم العسر والحرج والقول بالفرق بين نسيانه دليل المسألة وتذكره لها مما لا يظهر له وجه يعتمد عليه كما عرفت وكذا القول في التفصيل الآخر نعم لو كان الأمر بحيث يرتفع منه وثوق المجتهد بما أفتى به وأوجب تزلزله في المسألة فلا يبعد القول بوجوب تكرار النظر ليحصل الوثوق والاطمئنان والظاهر جريان ذلك بالنسبة إلى فتواه الأول أيضا إذا تخلل فصل بينه وبين زمان الاجتهاد مع خروجه عن محل البحث على ما هو ظاهر عناوينهم والحاصل أنه مع بقاء اطمئنان المجتهد بما ظنه ووثوقه بكونه مقتضى الأدلة الشرعية لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب تجديد النظر وأما انتفاء وثوقه إما لعدم اعتماده على نظره السابق أو لاحتمال عثوره على ما لم يعثر عليه أولا من المدارك بحيث يضطرب ويتزلزل في كون ما أدركه هو مقتضى الأدلة فلا يبعد حينئذ وجوب التجديد سيما إذا لم يبق له ظن بالحكم فإن قلنا بخروج هذه الصور عن محل البحث بناء على أن النزاع فيما إذا بقي ظن المجتهد وعلى الصفة التي يطلب حين الاجتهاد بأن يطمئن كون ذلك مقتضى الأدلة ويحسن من نفسه العجز عن تحصيل غيره لو فرض كونه حكم الله بحسب الواقع كان ذلك اختيارا لما هو المشهور وإلا كان تفصيلا آخر ولا مانع من عدم العثور على من ذهب إليه إذ لا إجماع على خلافه هذا وربما يتخرج على هذه المسألة الاجتهاد المتعلق بالموضوعات فهل يجب التكرار هناك بتكرر الحاجة أو لا كما إذا اجتهد في طلب القبلة لصلاة فحضرت أخرى أو طلب الماء للتيمم مرة فأحدث ثم أراد أن يتيمم أخرى أو زكى الشاهد عند الحاكم لقبول شهادته في واقعة أخرى ونحو ذلك فقد يقال بوجوب التكرار هنا بناء على وجوب التكرار في الاجتهاد المتعلق بالأحكام وعدمه بناء على عدم وجوبه هناك والأظهر انتفاء الملازمة بين الأمرين والمتبع هو ما يقتضيه الدليل في خصوص كل من تلك المقامات المسألة الثالثة إذا حكم المفتي بشيء ثم عدل عنه وجب عليه الأخذ بمقتضى اجتهاده الثاني سواء كان قاطعا أو لا بالحكم ثم ظن خلافه أو بالعكس أو كان الحكمان ظنيين مختلفين في القوة أو متفقين وسواء كان أقوى نظرا وأوسع باعا حال اجتهاده الأول وبالعكس أو تساوى حاله في الحالين وكذا الحال بالنسبة إلى من قلده فيه فإنه يجب عليه العدول عن فتواه الأول مطلقا بلا خلاف ظاهر في شيء من المقامين بل قد حكي الإجماع على الأمرين ففي شرح المبادي إذا اجتهد في مسألة فأداه اجتهاده إلى حكم ثم اجتهد في تلك المسألة فأداه اجتهاده إلى غير ذلك الحكم فإنه يجب عليه الرجوع إلى ما أداه اجتهاده ثانيا إليه إجماعا ويجب على المستفتي العمل بما أداه اجتهاده إليه ثانيا والرجوع عن الأول إجماعا انتهى وظاهره دعوى الإجماع على تعين أخذ المقلد بفتواه الثاني وهو غير ظاهر إذ بعد رجوعه عن تقليده في حكمه الأول لا دليل على تعين أخذه بالحكم الثاني لجواز رجوعه إلى مجتهد آخر كما هو قضية الأصل وقد ينزل العبادة على تعين أخذه بالفتوى الثاني إن أراد الرجوع إليه إذ الفرض بيان عدم جواز أخذه بفتواه الأول أو بحمل الوجوب على التخييري وكيف كان فالمتعين رجوع المقلد من حكمه الأول ويتخير حينئذ بين الأخذ بفتواه الثاني أو الرجوع إلى غيره على ما كان تكليفه في ذلك قبل تقليده فيه ويظهر من الفقيه الأستاذ قدس سره احتمال الفرق بين ما إذا كان عدول المجتهد عن فتواه الأول على سبيل القطع أو الظن فقد قطع في الأول بعدول المقلد عن الأول وأخذه بالثاني وجعل ذلك في الثاني هو الأقوى